المعنى الإسلامي للتجديد

 

التجديد لغة: جاء في (لسان العرب) لابن منظور: تجدَّد الشيءُ: صار جديداً. وأَجَدَّه وجَدَّده واسْتَجَدَّه أَي صَيَّرَهُ جديداً.

وأما في الاصطلاح فالتجديد هو: (الرجوع بالدين إلى ما كان عليه أول عهده قبل ظهور الفرق، وإحياء ما اندرس منه، ونشره بين الناس. والاجتهاد في نهوض الأمة، واستعادة وترسيخ دورها القيادي وعطائها الحضاري وتطويرِه طبقاً للدين الثابت في الواقع المتغير).

ومن أرقى التعاريف التي اطلعت عليها للتجديد:

- إدراك واع لحال الأمة وما تعانيه. وإرادة فاعلة جازمة على التغيير. وإمضاء لهذه الإرادة وتحقيق عملي لها.

- إحياء وإصلاح لعلاقة المسلمين بالدين والتفاعل مع أصوله والاهتداء بهديه؛ لتحقيق العمارة الحضارية وتجديد حال المسلمين([1]).

ولم أجد للتجديد تعريفاً أبلغ من قوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ) (الزمر:18). ولـ(الأحسن) المذكور معان عديدة ذكرها المفسرون، أرى جماعها في العبارة التالية: (إنزال الوحي على الواقع). أي تخير ما هو أنسب للواقع من الوحي لإنزاله عليه.

فالُحسن هنا حسن المناسبة والتناسب، لا الحسن بمعناه المطلق. ومما يدل على ذلك أن الله تعالى – في مواضع عديدة من كتابه - خيّر المسلم بين أمرين مرغباً إياه في أحدهما، كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى:40). لكن العفو ليس هو الأحسن في كل حال، فقد تكون هذه (السيئة) هي الأولى في حالات أُخرى، كما قال تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (الأنفال:68). فقد روى الإمام مسلم في سبب نزول هذه الآيات في أسرى (بدر) عن ابن عباس قال: [فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر (ما ترون في هؤلاء الأسارى؟)، فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة. أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار. فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما ترى يا ابن الخطاب؟)، قلت: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر. ولكني أرى أن تمكنّا فنضرب أعناقهم. فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان (نسيبٍ لعمر) فأضرب عنقه. فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان. قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت. وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) (شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم) وأنزل الله عز وجل: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. إلى قوله: فكوا مما غنمتم حلالاً طيبا) (الأنفال:67 – 69) فأحل الله الغنيمة لهم]. فكان ضرب رقاب الأُسارى هو (الأحسن) إلى درجة الوجوب الذي يستحق تركه العقوبة، وليس العفو عنهم. وقد بيّن الله تعالى سبب رفع العذاب على أخذ الفداء، وهو سبق كتابه وقضاؤه في أن لا يعذب مجتهداً باجتهاده. وفي هذا المعنى يقول المتنبي:

 

إذا   أنت   أكرمت   الكريم   ملكته   *   وإن   أنت   أكرمت   اللئيم  تمردا

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا   *   مضر كوضع السيف في موضع الندى

 

التجديد في الإسلام إذن هو: إنزال الوحي على الواقع. وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ففي حال يكون العمل بهذه الآية أحسن، وفي حال يكون العمل بغيرها هو الأحسن. ومن هذا الباب قوله تعالى لسيدنا موسى عليه السلام: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (الأعراف:145). قال بعض المفسرين: (ظاهر قوله: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} يدل على أن بين التكليفين فرقاً وهو أن التكليف كان على موسى أشد لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره من قومه). فكان (الأحسن) ما كان فيه مراعاة لأحوال الناس قوة وضعفاً وظرفاً. فيكون المقصود بـ(الأحسن) الأنسب للحال. ومعرفة ذلك على وجه الدقة مهمة المجددين الربانيين، الذين يعرفون لكل حال ما يصلح لها. وهذه أعلى المراتب. ويختلف العلماء في درجاتها على قدر فهمهم وقربهم من الله تعالى فمنهم المسرع المحلق، ومنهم دون ذلك. وقد تنزل المرتبة بالمخذولين إلى حد الصرف التام عن الفهم، كما قال سبحانه بعدها مباشرة: (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (الأعراف:146). وهذا لا ينفي أن يكون الصرف درجات ومستويات على قدر معصية العبد، فمنهم المكثر ومنهم المقل. فمن قواعد التفسير أن لكل آية طرفين ووسطاً. فهناك الصرف التام، ويقابله الحسن التام الذي هو أخذ الأمر بقوة كشأن أولي العزم من الرسل، ومنهم موسى عليه السلام. وما بين هذا وهذا درجات لا يعلمها إلا الله!

فالتوراة أُنزلت كاملة؛ فلا بد من الاجتهاد في تنزيل آياتها الثابتة على الواقع المتغير. وقد كانت الآيات القرآنية في عصر الوحي تتنزل طبقاً للواقع، حتى إذا تم نزول القرآن الكريم صار القرآن بين أيدينا كالتوراة بين يدي بني إسرائيل، فنجتهد في تنزيل آياته على واقعنا فيكون لكل جيل تنزيل. وهذا هو ما أفهمه من معنى التجديد في مطلوب الشرع.

 


[1]- http://ejabat.google.com/ejabat/thread?tid=61c424d88a1658b3

primi sui motori con e-max.it