التجديد في الإسلام

التجديد سنة كونية وفريضة شرعية

 

التجديد سنة كونية وفريضة شرعية. فلقد أقام الله تعالى هذا الكون على سنة التجدد بحيث كلما وصل الأمر إلى نهايته أعاده جلّ جلاله إلى بدايته، كما قال سبحانه: (اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (الروم:11). وقد تكرر هذا المعنى مرات في القرآن الكريم. وظاهرة إعادة الشيء إلى ما بدئ به أول مرة في الكون، هو التجديد عينه في الشرع. وقد ورد ذلك في هذا الموضع شاهداً على نشوء الأمم وهلاكها، وأن ذلك يحدث ضمن دورة كونية كدورة الليل والنهار التي تستحق التسبيح والتحميد مساء وصبحاً وعشياً وظهراً. ودورة إخراج الحي من الميت والميت من الحي. ودورة أو ظاهرة الحياة والموت بدءاً بالخلق ثم الموت ثم إعادة الحياة، لافتاً النظر إلى التخليق من التراب ثم العودة إليه، وهي شبيهة بتخليق النبات في دورة لا تنتهي حتى تعود. ذكر هذا متخللاً الآيات (17-26) مختومة بما بدئت به فقال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الروم:27).

ومن شواهد هذه السنة الكونية (دورة الماء في الطبيعة) إذ يبدأ من البحر بخاراً بفعل حرارة الشمس، ثم يتكاثف في الجو سحاباً تحمله الرياح لينعقد مطراً يصيب به من يشاء، ومنه ما يكون ثلوجاً في قلل الجبال تذوب أنهاراً وتُسلك ينابيع في الأرض حتى تعود كلها إلى البحر مرة أُخرى وهكذا أبد الدهر حتى يأذن الله تعالى بزوال الأرض وما فيها. تلك الظاهرة التي أشار إليها تعالى في سورة (الروم) نفسها منصصاً ومعقباً فقال: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم:48-50).

على أن ثمتَ فرقاً جوهرياً بين سنة الله في ظواهر الكون، وظاهرة نشوء الأمم وهلاكها، أن الأولى تكون ضمن قوانين نافذة خارج نطاق قدرة الخلق، على العكس من الثانية. التي جعلها الله تابعة لإرادة البشر: فإن أحسنوا سلموا، وإن أساءوا هلكوا. فقال سبحانه، وفي السورة نفسها: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) (الروم:41-45).  

ومن أوضح ما ورد في التجديد في نصوص الشرع ما رواه أبو داود في (سننه) حدثنا‏ ‏سليمان بن داود المهري ‏‏أخبرنا ‏‏ابن وهب ‏أخبرني ‏‏سعيد بن أبي أيوب ‏عن ‏ ‏شراحيل بن يزيد المعافري ‏عن ‏ ‏أبي علقمة عن أبي هريرة t فيما أعلم عن رسول الله e قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة عام من يجدد لها دينها)([1]). والحديث – وإن صححه بعض العلماء وضعفه آخرون، وبغض النظر عن الخلاف في بعض تفاصيله الجزئية – يشير إلى ظاهرة متكررة في تاريخ الإسلام، وتاريخ الديانات عموماً. والحديث أمر جاء في صيغة الخبر. ففيه حث للأمة على ممارسة التجديد، وإلا تعرضت للأدواء ودهتها عوادي الفناء.

بيْدَ أن متن الحديث إذا حمل على ظاهره، الذي هو (مئة عام)، يصعب مطابقته مع الواقع. ويستحيل أن يناقض خبر الرب مع قدره. وللخروج من الإشكال فإني أرى – والله أعلم - أن الحديث روي بالمعنى. فحتى يصح واقعاً لا بد أن يكون أصل النص الحديثي (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها دينها)، وليس (مئة عام). لكن أحد الرواة تصرف فيه فرواه بالمعنى على اعتبار أن القرن مئة عام، فبدل أن يقول (قرن) قال: (مئة عام) وهو صحيح على المشهور من معاني كلمة (القرن). لكن هذا هو معنى واحد من معاني (القرن). فمن معاني القرن الجيل من الناس. قال ابن منظور في (لسان العرب) ما حاصله: والقَرْنُ من الناس: أَهلُ زمان واحد. وذكر اختلاف العلماء في تقدير مدته فمنهم من قال: هو أَربعون سنة، وقيل: سبعون سنة وقيل: هو ثمانون سنة، وقالوا: مائة سنة؛ وقيل: هو مطلق من الزمان. وقال الأَزهري: والذي يقع عندي، والله أَعلم، أن القَرْنَ أَهل كل مدة كان فيها نبيّ أَو كان فيها طبقة من أَهل العلم، قَلَّتْ السِّنُون أَو كثرت، والدليل على هذا قول النبي، صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُكم قَرْنِي)، يعني أَصحابي، (ثم الذين يَلُونَهم)، يعني التابعين، (ثم الذين يَلُونهم)، يعني الذين أَخذوا عن التابعين. وإنما اشتقاق القَرْن من الاقْتِران، فتأَويله أَن القَرْنَ الذين كانوا مُقْتَرِنين في ذلك الوقت والذين يأْتون من بعدهم ذوو اقْتِرانٍ آخر.إ.هـ. وهذا هو الأوفق للواقع فلكل جيل عوائده وظروفه وتحدياته التي تفرض عليه ما يناسبها من أنواع العمل والاستجابة ما يختلف به عن الجيل الآخر، فيقتضي ذلك عند نهاية كل جيل ورأس الجيل الذي يليه أنواعاً أُخرى من تلك الأعمال والاستجابات. وهذا هو التجديد المقصود. وهذا يقتضي أن يرد نص الحديث بلفظ (القرن) أي الجيل من الناس؛ فهذا هو الموافق لعوائد الخلق وواقع الأمر، وليس بلفظ (مئة عام)؛ فهذا مخالف لسنن الاجتماع؛ فالأمة التي تبقى جامدة على ما هي عليه مئة عام أمة خاملة خامدة لا تصلح لقيادة الحياة.

وجاء في الأثر على لسان أسلافنا ومنهم الإمام أحمد رحمه الله: (يحمل هذا العلم من كل خلَف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين). وهذا يفسر الحديث السابق، والخلَف هو الجيل؛ قال ابن منظور في (لسان العرب):قال ابن الأَثير:الخَلَفُ، بالتحريك والسكون، كل من يجيء بعد من مضى.

ونحن من خلال فهمنا للأقدار وعلاقتها بالأسباب نرى الترابط الموضوعي بين السنة الكونية والفريضة الشرعية. إذن على الأمة أن تمارس عملية التجديد وإلا جمدت وخمدت ففنيت.

 


[1]- قال أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في (عون المعبود لشرح سنن أبي داود): قال المناوي في فتح القدير: أخرجه أبو داود في الملاحم والحاكم في الفتن وصححه والبيهقي في كتاب المعرفة كلهم عن أبي هريرة. قال الزين العراقي وغيره: سنده صحيح. وقال أيضاً: ( فِيمَا أَعْلَم )‏: الظَّاهِر أَنَّ قَائِله أَبُو عَلْقَمَة يَقُول فِي عِلْمِي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيث مَرْفُوعًا لَا مَوْقُوفًا عَلَيْهِ... قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: الرَّاوِي لَمْ يَجْزِم بِرَفْعِهِ. اِنْتَهَى. قُلْت: نَعَمْ لَكِنْ مِثْل ذَلِكَ لَا يُقَال مِنْ قِبَل الرَّأْي, إِنَّمَا هُوَ مِنْ شَأْن النُّبُوَّة, فَتَعَيَّنَ كَوْنه مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.إ.هـ. وقال الدكتور عداب الحمش (المهدي المنتظر/296) بعد بحث مطول في الحديث سنداً ومتناً: لكل ما سبق أقرر مطمئناً أن هذا الحديث ضعيف الإسناد منكر المتن. إ.هـ.

primi sui motori con e-max.it