قصة عضروط .. يُدعى مقاتل

 

إليكم هذه القصة القصيرة.. لكنني أرمي من ورائها إلى مقاصد كبيرة!

دخل مقاتل بن سليمان على الخليفة المنصور يوم بُويعَ بالخلافة، فقال له المنصور: عِظني يا مقاتل! فقال: أعظُك بما رأيت أم بما سمعت؟ قال: بما رأيت. 

قال: يا أمير المؤمنين! إن عمر بن عبد العزيز أنجب أحد عشر ولداً، وترك ثمانية عشر ديناراً. كُفّنَ بخمسة دنانير، واشتُريَ له قبر بأربعة دنانير وَوزّع الباقي على أبنائه. وهشام بن عبد الملك أنجب أحد عشر ولداً، وكان نصيب كلّ ولد من التركة مليون دينار. والله يا أمير المؤمنين! لقد رأيت في يوم واحد أحد أبناء عمر بن عبد العزيز يتصدق بمئة فرس للجهاد في سبيل الله، وأحد أبناء هشام يتسول في الأسواق.

تتناقل هذه القصة كتب المواعظ، ومنابر المساجد، وكراسي المحاضرين، وأشرطة الخطباء حتى انفتح علينا باب الإنترنت الذي يصدق عليه وصف (الباب الذي يفتح ألف باب) فأطبقت شهرتها الآفاق ومعها سيول من القصص المشابهة. يروونها دون تدقيق: لا في سندها ولا نصها، ولا ينظرون في المقاصد التي تختبئ وراءها.

 

راوي القصة

راوي القصة مولى فارسي لبني أسد، أصله من مدينة (بلخ) في خراسان. دجال من الدجاجلة!

قال الإمام البخاري (التاريخ الكبير:8/14): مقاتل بن سليمان الأزدي لا شيء البتة.

وقال الدارقطني (الضعفاء والمتروكون:3/133): مقاتل بن سليمان خراساني يكذب.

وقال الذهبي (السير:7/201-202): أجمعوا على تركه. قال وكيع: كان كذاباً. وعن أبي حنيفة، قال: أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل، ومقاتل مشبه.

وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (أحوال الرجال/343): مقاتل بن سليمان كان دجالاً جسوراً.

وكلام العلماء في تجريحه بأقسى ألفاظ التجريح كثير.

 

صلته بالعباسيين

كان مقاتل على صلة بأبى جعفر المنصور، وابنه المهدي. وكان يعرض عليهم أن يضع في فضلهم أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يأبون ذلك. لكنهم – كما يبدو – تساهلوا فيما دون الوضع عن النبي صلى الله عليه وسلم. والأمر في حاجة إلى بحث.

قال جمال الدين المزي (تهذيب الكمال:28/446): قال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن هارون بن أبي عبيد الله عن أبيه: قال لي المهدي: ألا ترى إلى ما يقول هذا، يعني مقاتلاً؟ قال: إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس، قال: قلت: لا حاجة لي فيها. وقال أبو زرعة الدمشقي: حدثني بعض أصحابنا عن منصور الكاتب، يعني ابن أبي مزاحم عن أبي عبيد الله، قال: قال لي أمير المؤمنين المهدي: لما أتانا نعي مقاتل اشتد ذلك علي، فذكرته لأمير المؤمنين أبي جعفر، فقال: لا يكبر عليك فإنه كان يقول لي: انظر ما تحب أن أحدثه فيك حتى أُحْدثه.

وكان أمثال هذا الدجال يجدون لهم حضوة عند الخلفاء. قال ابن الأثير الجزري (جامع الأصول:1/137): ومنهم جماعة وضعوا الحديث تقربًا إلى الملوك، مثل غياث بن إبراهيم، دخل على المهدي بن المنصور، وكان يُعجبه الحمام الطيارة الواردة من الأماكن البعيدة، فروى حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا سَبق إلا في خف، أو حافر، أو نصل، أو جناح". قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم. فلما قام وخرج، قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جناح"، ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا. يا غلام اذبح الحمام. قال: فذبح حماماً بمال كثير. فقيل: يا أمير المؤمنين، وما ذنب الحمام؟ قال: من أجلهن كُذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

العبرة من القصة

  1. حين عجز الفرس عن اختراق القرآن الكريم حاولوا مع مصادر التأثير الديني والثقافي الأُخرى. ولأن هذه المصادر – سوى القرآن – لم يتعهد الله تعالى بحفظها فقد نالوا منها بقدر غفلة حراس الأمة أو ضعفهم في أداء واجب الحراسة. وكان للصوص الفارسية المجوسية وسائلهم المتعددة في تلويث دين الأمة وثقافتها، منها كتب الأدب والطرائف والقصص، مثل (الأغاني) للأصفهاني، وعيون الأخبار لابن قتيبة؛ لأن هذا اللون من المكتوب تشتهيه النفوس بطبعها، ويتهافت عليه الجمهور على وجه الخصوص. فكان أن امتلأت دواوين الأدب بقصص وطرائف مبطنة وصريحة تسيء إلى عظمائنا وتشوه سيرتهم في الذاكرة الجمعية للشعوب العربية والإسلامية.

ومن تلك القصص قصة مقاتل آنفة الذكر. ومثلها كثير كثير.

  1. كما يوجد مثل مقاتل هذا - قاتله الله - (مقاتلون) كثيرون من الفرس، قاتلوا بضراوة طعناً في تاريخ الأمويين حتى تمكنوا من تثبيت صورة مشوهة جداً عنهم في الذاكرة الجمعية للأمة. تسللوا إلى دواوين الحديث والتاريخ والأدب. وقد احتضن العباسيون هذا وأمثاله، وكان لذلك دوره في الوصول إلى تلك الغاية. وكان للعباسيين غايتهم التي لا تخفى من تشويه سيرة الأمويين. والتقت الرغبات والغايات بينهم وبين الفرس فكان ما كان.
  2. جرى تضخيم سيرة الخليفة عمر بن عبد العزيز بأكثر مما فيه، على فضله، مع غض الطرف عن أخطائه. وإلا فإن كثيراً من خلفاء الأمويين كانوا خيراً منه، وأولهم معاوية، ومنهم هشام بن عبد الملك. قال الأستاذ محمود الملاح: ساس عمر بن عبد العزيز الدولة بعقلية فقيه لا عقلية سياسي. وكان لذلك، على ما أرى، سببان:

أ. أن يوحى للناس أن ليس في الأمويين سواه ممن يصلح أن يذكر بخير.

ب. ولأنه تساهل مع الروافض والخوارج، وكلاهما من صنائع الفرس، فأطلق لهم العنان يفعلون ما يشاءون. وكان لذلك أثره كأحد الأسباب التي أدت إلى تدهور الدولة الأموية وتمكن الفرس.

10/6/2017

primi sui motori con e-max.it