القرآن.. الكتاب الوحيد الخالي من التشيع

 

رابعاً .. حديث ( من أهل بيته ؟ نساؤه ؟ قال: لا )

في صحيح( مسلم )

روى مسلم في (باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه) قال: حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا حسان يعني ابن إبراهيم، عن سعيد وهو ابن مسروق، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله عز وجل، هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة). وفيه: فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا، وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطَلّقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده).

لكنه روى في الباب نفسه بسند آخر الواقعة نفسها عن زيد بن أرقم نفسه: فقال: له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.

 

هل نساء النبي مِنْ أهل بيته ؟ أم لسن من أهل بيته ؟

الحديث الأول ينفي أن تكون نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، بينما الحديث الثاني يثبت ذلك! فبأيهما نأخذ؟ وأيهما نطرح؟ وإذا كان كل ما في (صحيح مسلم) صحيحاً فكيف يمكن الجمع بينهما والحديثان متناقضان؟

رجعت إلى شرح النووي (المنهاج:15/180) لعلني أجد فيه جواباً عن هذا التناقض فإذا هو يقول: "هاتان الروايتان ظاهرهما التناقض. والمعروف في معظم الروايات في غير (مسلم) أنه قال: نساؤه لسن من أهل بيته؛ فتُتأول الرواية الأولى على أن المراد أنهن من أهل بيته الذين يساكنونه ويعولهم وأمر باحترامهم وإكرامهم وسماهم ثقلاً ووعظ في حقوقهم وذكّر؛ فنساؤه داخلات في هذا كله، ولا يدخلن فيمن حُرم الصدقة. وقد أشار إلى هذا في الرواية الأولى بقوله: "نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة؛ فاتفقت الروايتان".

وفات النووي أن الروايتين من رواية صحابي واحد، وفي واقعة واحدة. وتأويل النووي يصلح إذا تعددت الواقعة، أو تعدد الراوي. أمَا وإن الرواية متحدة الواقعة متحدة الراوي؛ فهو - أي زيد بن أرقم - إما أثبت فقال: "نساؤه من أهل بيته"، وإما نفى ذلك فقال: "لا"، حين سئل: من أهل بيته؟ نساؤه؟

يبدو لي أن العلماء الأقدمين لديهم قابلية كبيرة على تجريد الأشياء من ملابساتها! فالنووي حاكم الروايتين كنصين مطلقين معزولين عن قيودهما. نعم لو وجدنا نصين عن صحابيين بهذا الاختلاف فيمكن الجمع بينهما على أن كل واحد منهما استند إلى ملحظ يختلف عن ملحظ الآخر، والشيء الواحد يمكن أن ينفى ويثبت كلٌّ باعتبار. أما وإن القائل واحد والواقعة واحدة فهذا لا يصح؛ لأنه جمع نقيضين في محل واحد. وبذلك ينفصل التنظير العقلي عن التجسير الواقعي، ويسقط الفكر في هوة التحنط والجمود.

وإذا قيل: لعل الاضطراب من قبل أحد الرواة في سلسلة السند لا من الصحابي؟ قلنا: هذا يثبت ما قلناه من أن إحدى العبارتين باطلة. ولا يهم – بعد ذلك - إن كان الخطأ حصل أثناء السند أم في نهايته.

وإذا فرضنا أن العبارة الصحيحة هي المتضمنة في رواية: "من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا، وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصرَ من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده".. فإن هذا يخالف قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب:33)، الذي ينصص على أن أزواجه صلى الله عليه وسلم هن خصوص أهل بيته، فضلاً عن أن هذا هو مقتضى لغة العرب. وذلك لا يخفى على صحابي عربي اللسان معاصر للتنزيل. لا سيما وأن النفي أُطلِق بناءً على علة دائمة: "إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها". فلا يمكن حمل النفي على خصوص هذه الواقعة. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، بل نهاه الله تعالى عن ذلك بنص القرآن.

مع ذلك يبقى إشكال اتحاد الواقعة والراوي قائماً.

على أن في رواية الإثبات ورد وصف أهل البيت بأنهم الثقل الآخر بعد كتاب الله تعالى. وإذا عملنا مقارنة بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأقاربه نجد الأزواج أولى بوصف الثقل من حيث أنهن المنصوص عليهن بالأمر بتبليغ ما ينزل في بيوتهن من الآيات، وما يجري فيها من شأن النبوة، فقال تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) (الأحزاب:34). ولم يكلف بذلك أقاربه على الخصوص كما كلفت أزواجه. وهذا لا يفوت صحابياً عربي السليقة عاصر التنزيل.

وقد رجح ابن كثير (تفسير القرآن العظيم:6/369-370) رواية الإثبات وهو يحاول الجمع بين الروايتين بما يقرب من قول النووي، فقال: "هكذا وقع في هذه الرواية، والأُولى أَولى والأخذ بها أحرى". وشكك في روايات النفي عامة وقال: "إن صحت فإن في بعض أسانيدها نظراً".

 

سند الحديث

لا بد إذن من علة في سند رواية النفي!

وفتشت فوجدت العلة في حسان بن إبراهيم الكرماني قاضي كرمان، فقد قال فيه العلماء: صدوق له أوهام. وبعضهم عده في الضعفاء بسبب أوهامه التي تعددت. مثل النسائي (الضعفاء والمتروكون:1/34)، وابن الجوزي (الضعفاء والمتروكون:1/198)، والعقيلي. قال العقيلي (الضعفاء الكبير:1/255): حسان بن إبراهيم الكرماني في حديثه وهم. واستشهد لذلك بحديثين. وذكر عدةُ علماء غير العقيلي أنه يهِمُ ويغلط، واستشهدوا لذلك بأحاديث، منهم ابن حبان (الثقات:6/224) قال: ربما أخطأ.

وقال المزي (تهذيب الكمال:6/11): قال أبو أحمد بن عدي: قد حدث بأفرادات كثيرة، وهو عندي من أهل الصدق، إلا أنه يغلط في الشيء، وليس ممن يظن به أنه يتعمد في باب الرواية إسناداً أو متناً. وإنما هو وهم منه، وهو عندي لا بأس به.إ.هـ. كما ذكر المزي توثيق أحمد بن حنبل له، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال النسائي: ليس بالقوي.

وفي الحاشية قال د. بشار عواد معروف: وقد ذكره العلماء في كتب الضعفاء بسبب أحاديث أخطأ فيها. وقد وثقه الدارقطني - على ما نقله الذهبي في "السير"- وابن المديني، والذهبي. وقال ابن حجر في "التقريب": صدوق يخطئ، وهو كما قال، وليس من الجيد توثيقه مطلقاً، وقد ذكروا له كل تلك الأوهام!

فأنت ترى توثيق العلماء له فيه لين، والتوثيق من حيث الصدق لا من حيث الضبط.

ويبدو لي أن الإمام مسلم روى حديث النفي في المتابعات وليس في الأصول؛ بدليل وجود حسان بن إبراهيم في سنده، وهو على الحال التي ذكرت؛ فهو ليس مما يعتمد في الأصول، ولا من رجال مسلم الذين على شرطه. ولا ينبغي أن يتأول له للجمع بين حديثه في النفي وبين الحديث الصحيح في إثبات أهلية أزواجه صلى الله عليه وسلم. والتناقض بين النفي والإثبات لا يصمد له تأويل لاتحاد الواقعة والراوي. وقد تبين مصدر العلة ولله الحمد.

ولا شك في أن هذا الحديث وأمثاله مما ينصر التشيع ويفتح له ثغرة إلى ثقافتنا السنية.

ثم إنه مما يحتج به الشيعة ويضللون به عوام السنة، الذين لا تصمد عقولهم ولا علومهم لمثل هذه الإشكالات، خصوصاً مع التسليم بالمقولة الشائعة: "كل ما في الصحيحين صحيح".

هل علمتم الآن كيف غزيت ثقافتنا؟ ودور بعض الحديث في ضعضعة هذه الثقافة وتوهينها لصالح الشيعة؟ وأن بعض هذا الحديث في (الصحيحين)؟ ومدى عمق ودلالة القول: "القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الخالي من التشيع"؟ وأنه لم يصدر عن فراغ؟! بل إنه نابع من معاناة حقيقية يستشعرها كل من عانى التشيع وخبر طرائقه واندل مساربه الخفية التي يُتدسس منها إلى حصون السنة.

على أنني – مع ذلك - أشم من النص رائحة خيط شيعي شعوبي! وإثبات ذلك في حاجة إلى بحث لا يتهيأ لي الآن، وفيما ذكرت كفاية.

 

29/5/2017

في الطائرة راجعين

primi sui motori con e-max.it