قمة الرياض

رؤية مقاصدية في السياسة الشرعية 

لا أحيد إن قلت: ان أكثر علم غاب عن واقع الامة هو علم السياسة الشرعية، على انه أحوج علم مع تلاطم الأمواج بوجه سفينة الامة وقد فقدت الامة بوصلتها وكثر ملاحوها.

وسأفرد في مقالا في أسباب فقر الامة لهذا العلم إن شاء الله.

أما الان فاني استبق وأقدم بين يدي المقالة حتى لا يُتصيد بي.

إنني لست بصدد توظيف الكلام لتسديد قمة الرياض ولا الدفاع عن القائمين عليها بقدر ما اريد ان أناقش حادثة في السيرة النبوية الزكية ثابتة في كتب السنة وأحللها وانزلها بمقصودها ودروسها مستثمرا الحدث كما يقول الدكتور طه الدليمي سدده الله، ثم اترك القارئ هو من ينعم النظر في إنزال الوقائع المعاصر على حوادث السيرة.  

ذكر البيهقي في دلائل النبوة 2/430، وفي معرفة السنن والاثار 13/412.

 أن رسول الله بعث إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا ومن معهما عن رسول الله وأصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة وفي ذلك ففعلا

 فلما أراد رسول الله أن يفعل بعث إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وذكر ذلك لهما واستشارهما فيه فقالا يا رسول الله أمر تحبه فنصنعه أو شيء أمرك الله به لا بد لنا من عمل به أم شيء تصنعه لنا فقال لا بل لكم والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

وتواتر ذكر الحديث والحادثة في كتب التفسير عند قصة غزوة الخندق.

بدءأً مالم تشخص الامة أخطر الشرور تلظت بالحرور، ومن قبل قرر شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: وعَلى هذا اسْتقرتْ الشَّريعة بترجيح خير الخيرين وَدفع شرّ الشرين وترجيح الراجِح من الْخير وَالشر المجتمعين.

وما هذا الفهم الا استنباط ممن قال الله فيهم: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} النساء83.

هذا في عموم القول، أما هاهنا ففي هذا الحديث منقولات لأهل العلم قديما وحديثا

قال السهيلي في (الروض الانف) 6/208: وفيه من الفقه جواز إعطاء المال للعدو إذا كان فيه نظر المسلمين و حياطة لهم وقد ذكر أبو عبيد هذا الخبر، وأنه أمر معمول به وذكر أن معاوية صالح ملك الروم على الكف عن ثغور الشام بمال دفعه إليه قيل كان مائة ألف دينار.

قال الأستاذ سعيد حوى في الأساس في السيرة ،2/687: قوله عليه الصلاة والسلام في تعليل مفاوضته لغطفان على ثلث ثمار المدينة (إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة) دليل لما ذكر من قبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستهدف في عمله السياسي ألا يجتمع الأعداء عليه صفاً واحداً وموقفه ههنا دليل على أن هذا كان هدفاً له، وهذا يصل بنا إلى عدد من الأمور:

1 -أن تحاول الحركة الإسلامية التفتيش عن ثغرات القوى المعادية.

2 -أن محاولة التحالفات مع بعض الأطراف لا حرج منها، فالهدف الاستراتيجي حيد من تستطيع تحييده، اجعل في جانبك من تستطيع كسبه، فتش عن المتعاطفين معك مهما كانت الأسباب، واجعل ثقتك في هذا بالله أولاً واحكم التوكل عليه، ولا تنس الفتوى والشورى والمصلحة الآنية والمستقبلية للإسلام والمسلمين.

قال محمد الصادق عرجون: وربما كان المقصود الحقيقي للنبي صلّى الله عليه وسلم من مراوغة عيينة هو إحداث شرخ كبير في صفوف المشركين وتمزيق روابطهم، وهو نموذج من نماذج السياسة الحكيمة التي أدار الرسول صلّى الله عليه وسلم بها الموقف.

يقول الأستاذ منير الغضبان: إن المنهج الحركي لهذا الدين يواجه الواقع دائما بوسائل مكافئة، وهو منهج متحرك مرن، ولكنه متين واضح،

يقول سيد قطب: فهذا الذي فكر فيه رسول الله-صلى الله عليه وسلم-إجراء لمواجهة الضرورة، وليس حكماً نهائياً.

اما الان فإني آتي للألفاظ التي نستفيد منها بدلالة منطوق او إشارة:

أولا: -قال السَعدان: يا رسول الله أمر تحبه فنصنعه أو شيء أمرك الله به لا بد لنا من عمل به أم شيء تصنعه لنا فقال: لا، وهذا قول صريح من النبي صلى الله عليه وسلم ان السياسة الشرعية فيها من المرونة ما تستدعي استحضار المصلحة، لا حظرها.

 وقد عرف العلماء من السياسة الشرعية بأنها: فن حكم الناس، وتقوم في أساسها على رعاية مصالح الناس، تراعى فيها احكام الشريعة فيما ورد فيه نص، وتراعي القيام على الناس بما يصلحهم ويحقق مصالحهم فيما لا نص فيه ضمن ضوابط الشريعة، (نظرات في السياسة، د. طه الدليمي؛ ص6).

قال ابن عقيل في البحر الرائق: هي القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال.

او: ما يكون فيه الناس أقرب الى الصلاح، وابعد عن الفساد وإن لم يضعه النبي ولا نزل به وحي، (السياسة الشرعية مصدر التقنين؛ محمد محمد القاضي).

والدليل صريح بأنه صلى الله عليه وسلم لم ينزل عليه وحي في الحادثة، وان تصرفه باعتبار رئيس الدولة، لا باعتبار النبوة.

وجسد هذا الفعل سيدنا معاوية حماية لثغور المسلمين، وحسبك أن كل من اتى السياسة بعد سيدنا معاوية عيال عليه.

ثانيا: -دخول الرؤساء والحكام في المفاوضات كما جاء في الحديث:(المراوضة) لا يعني تسقيطهم ولا تخوينهم لا ابدا، وإلا فإن الثقة تنهار بين عوام المسلمين وحكامهم ونحن ننظر الى مدى التحام الناس مع الحكام في وأروبا وامريكا وغيرها، فلماذا تبقى دسائس المجوس تبث السموم عبر وكلائها على حكام العرب والمسلمين!!

على أنني تابعت من الاحداث خلال هذين اليومين واستنتجت: ان من الأحزاب المتأسلمة والتي هي في أحضان إيران مستلقية لم يرقها ما جرى من محادثات واتفاقات في الرياض حتى تكشفت عن البواطن نواياه.

ولعلها الموتة الثانية لهم، تأخذهم على حين غرة مع انهيار وانقباض انفاس إيران.

ثالثا: -العبرة بالمقاصد والأمور بمقاصدها وجلي هذا في :( والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما).

وأعرب العلماء معنى المصحة المرسلة فقالوا: هي كل مصلحة داخلة في مقاصد الشريعة ولم يرد في الشرع نص على اعتبارها بعينها أو إلغائها.

وابن عاشور يقول: مقاصد التشريع العامة؛ هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها.

إن مما دهى اهل السنة والجماعة والعرب أمر لا عزاء له، فإن لم يكن المال يحمي البيضة ويصون العرض ويحقن الدماء ويرد الأعداء، فلا بارك الله -بعد العرض والمال والدين والنفس والعقل؛ وهنَّ الضروريات في مقاصد الشرع – بالمال.

رابعا: -يترنم كثير من المثقفين الإسلاميين وأصحاب العناوين بمصطلحات فقه الموازنات، أفلم يهد لهم عقلهم من العدو الاخطر عليهم اليوم؟!

اليوم المعسكر (المجوسي الشيعي الشعوبي) تكالب مع المعسكر الشيوعي في (روسيا والصين وكوريا)، لهو الأخطر بحكم القرب الجغرافي والعقيدة الأخطر، والعرق الاحقد علينا ديناً وعرقا، فإن كان المال حاقنا جُنةً فحيهلا.

ولكم بذر حكام وحكومات تابعة لولي صفيق سفيه من اجل تعزيز سيطرة إيران على عواصم وحكومات عربية، فما سمعنا ولا رأينا مجالسَ الشورى لأحزاب متأسلمة مواقف تنبي عن سنيتهم او عروبتهم!!

وسأكمل ان شاء الله في المقال القادم ما وعدت به عن (أسباب فقر الامة في السياسة الشرعية).

 

إدريس الرفاعي : التيار السني في العراق /منظومة الفقيه القائد 

primi sui motori con e-max.it